نحو مرونة تستوعب المستقبل

تخيل معي هذا المشهد: أنت الآن في قمة الحماس، المخططات مفروشة على الطاولة، وتصمم بيتك بناءً على وضعك الحالي.. أطفالك صغار، فتقرر تخصيص نصف الدور الأرضي "صالة ألعاب مفتوحة"، وغرفة نومك الرئيسية في آخر الممر بالدور العلوي لأنك في قمة لياقتك البدنية، وغرف نوم الاطفال قريبة منك للوصول السريع اليهم، ومطبخ المنزل مفتوح وصغير لعدم الحاجة لمساحات مطبخ كبيرة؟؟؟ ( مدري من وين جاتك هالفكرة!! ) وموقف سيارة وحيد يكفي، ولا حاجة لغرفة سائق اصلا، واعتماد الدرج اللولبي الرائع في منتصف المنزل والمطل على صالة المعيشة (الملمومة) والمدروسة بشكل جيد جدا، وغيرها من القرارات التي تعتقد حينها انك اتخذتها بشكل مدروس ومتأني من غير اي مبالغات او تقصير.

ممتاز جداً! لكن دعنا نُسرّع شريط الزمن 15 سنة للأمام.. الأطفال كبروا (وصاروا أطول منك)، صالة الألعاب تحولت إلى مستودع كئيب للكراتين وأجهزة السير الرياضي التي تستخدمها “كعلاقة ملابس"، وركبك بدأت تشتكي من صعود الدرج يومياً للوصول إلى غرفة نومك، وحاجتك لسائق او لملحق خارجي تستفيد منه بأي شكل من الأشكال. فجأة، تكتشف الحقيقة المرة: أنت لم تبنِ منزلاً للمستقبل، أنت بنيت منزلاً “لصورة تذكارية" التقطتها لعائلتك قبل 15 عاماً!

هنا تأتي أهمية "المرونة المعمارية”.بحيث يجب أن يكون بيتك كائناً حياً يتمدد، يتقلص، ويتكيف مع تغيرات حياتك، بدلا من أن يكون قالباً خرسانياً يخنقك. ولتحقيق ذلك ممكن ان نستعرض بعض النقاط التي من خلالها يمكن الوصول الى مرونة معمارية تضمن استدامة المنزل الجمالية والوظيفية:

فوبيا "الجبس بورد" مو كل جدار يحتاج يكون قلعة!

يوجد اعتقاد سائد بأن جدران الجبس ضعيفة وغير عملية لتقسيم المساحات في المنازل ونسينا ان اغلب الفنادق الكبيرة والمستشفيات تعتمد نظام القواطع الجبسية ولا اعتقد ان استخدامك للمنزل مع اطفالك سيعرض تلك الجدران للخطر أكثر من استخدام الفنادق والمستشفيات انما هو اعتقاد وثقافة بنيت على افكار وتصورات لا نعلم مصدرها سامح الله ذلك المصدر.

لنفرض أنك أردت بعد عشر سنوات دمج غرفتين لتكبير الصالة، قرار إزالة جدار طابوق واحد يعني: عمال، أصوات مرعبة،مخلفات، وغيمة غبار تستوطن بيتك لشهر كامل.

ماذا لو تم دمج حوائط الطابوق الخرساني بالقواطع الجبسية بحيث تكون القواطع الجبسية من نصيب الغرف التي تتوقع أن تتغير مساحاتها مستقبلاً (مثل غرف نوم الأطفال المتجاورة)، بحيث يتم الفصل بينها بجدران "جبس بورد" مدعمة بعوازل صوتية ممتازة، متانة عالية، عزل ممتاز، وفي حال رغبتك بفتح الغرفتين على بعض، يتم ذلك بكل سهولة ونظافة و بشكل سريع (ومن غير وجع راس).

سباكة وكهرباء "مع وقف التنفيذ"

تخيل أنك قررت بعد التقاعد تحويل المجلس الأرضي أو المكتب إلى غرفة نوم رئيسية هرباً من صعود الدرج، المشكلة تكمن بعدم وجود حمام قريب، وتمديد ماسورة صرف واحدة يعني تكسير بلاط الصالة والممرات بالكامل!

الحل الساخر لكل ذلك يكمن في مرحلة العظم، اسحب تمديدات سباكة وصرف صحي احتياطية لغرفة أو غرفتين في الدور الأرضي (حتى لو كانت مكتباً الآن)، واغلقها بسدادات محكمة تحت البلاط أو خلف الجدار. تكلفتها بسيطة جدا وفي المتناول لكنها بعد 20 سنة ستكون بمثابة عملية إنقاذ لحياتك، (لركبك)، ولميزانيتك.

"الغرفة الحربائية” مساحة بسبعة أرواح

من أكبر الأخطاء أن نصمم الغرفة لتكون "مفصلة" على وظيفة واحدة فقط بديكورات ثابتة كلياً مثلا.

نحتاج أن نصنع غرف حربائية و هي الغرف التي تكون عادة في الموقع الأقرب للمدخل أو الصالة او في الادوار العلوية؛ تبدأ حياتها “كغرفة ألعاب" للأطفال لتكون تحت عين الأم، وبعد 5 سنوات تتحول إلى "غرفة دراسة"، ثم إلى "مكتب منزلي" أو "نادي رياضي"، وقد تنتهي “كغرفة نوم للوالدين" أو “للضيوف”، السر هنا في جعل أبعاد الغرفة متوازنة ويتم تمديد الكهرباء والاضاءة فيها وتوزيع النوافذ بطريقة محايدة و مدروسة تخدم جميع الوظائف المتوقع تنفيذها فيها مع مرور الزمن.

“كمين النوافذ” لا تدع الضوء يسجنك!

قد تبدو هذه النقطة غريبة، لكن النوافذ هي أكثر ما يقيّد تقسيم الغرف مستقبلاً.. تخيل معي غرفة طولها 8 أمتار، وفي منتصفها بالضبط وضعت نافذة عملاقة بعرض 4 أمتار، المنظر جميل جدا في وقتها، لكن بعد 10 سنوات عندما تحتاج أن تقسم هذه الغرفة لغرفتين للأبناء، أين سيكون الجدار الفاصل؟ في نصف الشباك؟ ام ستكسر الواجهة وتغير شكل المنزل من الخارج؟

يمكنك في الفراغات الطويلة التي تحتمل التقسيم مستقبلاً، اعتماد نظام "تكرار النوافذ" بأحجام أصغر على مسافات مدروسة بدلاً من واجهة زجاجية واحدة ضخمة ومتمركزة. ولاتعتقد ان ذلك الحل سيكون على حساب الجمالية، الجمالية تتحقق بجميع الأفكار عند عمل التصميم بطريقة مدروسة ومتميزة.

خطة "الهروب الكبير" كيف تفصل منزلك من دون هدمه ؟

الأيام تمضي، العائلة تصغر، وتكتشف أنك تدفع فواتير تكييف وكهرباء لبيت مساحته 600 متر وأنت وزوجتك لا تستخدمون سوى 150 متراً منه! أو ربما كبر أحد الأبناء ويريد الزواج في الدور العلوي ليظل قريباً منكم.

هنا تتجلى فوائد المرونة المعمارية وذلك من خلال الكثير من الأفكار، على سبيل المثال: تصميم "بيت الدرج" وهو من أهم العناصر المساعدة في المرونة المعمارية والتي تعطي المنزل استدامة عالية وعمر أطول، عند وضع السلم الرئيسي والمداخل بطريقة تسمح لك مستقبلاً، وبأقل تكلفة، بإغلاق باب واحد فقط (ربما في البسطة بين الدورين)، ليفصل الدور الأرضي عن العلوي تماماً، ويتحول الدور العلوي إلى "شقة مستقلة" بمدخلها الخاص كما يمكنك عمل مدخل جانبي خارجي، لتتمكن من استخدام شقة منفصلة تماما عن المنزل، بتأجيرها او عيش أحد الابناء فيها بشكل مستقل.

الحلول والأمثلة كثيرة جدا لتحقيق المرونة المعمارية في منزلك ويختلف كل منا في متطلباته وظروفه وهذا طبيعي جدا، وليس من الواجب ان يتم تحقيق تلك المرونة بنسبة 100٪ ولكن يكفي تغطية اغلب الجوانب التي نتوقع حدوثها والحاجة اليها مستقبلا.

ان لم تكن هذه مهمة “المصمم المعماري” الاساسية لبيتك فماهي مهمته اذا؟ جمالية المنزل والمناظير ثلاثية الابعاد هي اسهل جزء في تصميم المنزل.. المصمم الناجح هو “من يقدم افضل تجربة مستدامة للعميل حسب احتياجه الحقيقي الذي يدركه الان والذي قد لا يدركه مستقبلا”، يجب ان تحرص كل الحرص ان يكون مصمم منزلك يمتلك هذه العقلية وليس من مكاتب (سلق البيض) المنتشرة للأسف، لذلك ابحث عن المصمم الذي يقدم قيمة حقيقية وجودة عالية ويستحق ان يتم الاستثمار في تصميمه.

بيتك هو أكبر استثمار مالي وعاطفي في حياتك، بيتك ليس مجرد جدران وأسقف، بل هو كائن حي يتنفس ويتغير مع دورة حياة العائلة، لا تصممه وكأنه "صورة تذكارية" مجمدة للّحظة الحالية، بل صممه كاستثمار "مرن" قابل للتداول والتعديل مع ظروف الحياة.

اعطه مساحة ليتنفس، يتغير، ويكبر معك. في النهاية، البيت الذكي هو الذي يخدمك.. لا الذي تجد نفسك بعد سنوات تعمل خادماً عنده لترميمه وتعديله!

قبل ان تعتمد المخطط النهائي لمنزل العمر، فقط أغمض عينيك وتخيل كيف ستعيش بعد 10 او 20 عام.. هل سيكبر هذا المنزل معك؟.