تبدأ رحلة بناء منزل الأحلام بنظرة مليئة بالشغف إلى مخطط معماري. بالنسبة للعميل، تبدو تلك الخطوط الهندسية والأبعاد المرسومة على الورق وكأنها وعد بمساحات مثالية وتصميم لا تشوبه شائبة. يبني العميل في مخيلته منزل الأحلام الذي تتسع فيه الغرف لكل الطموحات والآمال.

ولكن، سرعان ما يقع الكثيرون في "فخ المخطط المعماري". فبمجرد أن يرتفع البنيان وتتحول الخطوط والرسومات إلى جدران حقيقية، تأتي الصدمة؛ فالمساحات التي بدت شاسعة على الورق أصبحت ضيقة، والحركة التي بدت سلسة تحولت إلى عوائق يومية.

المشكلة تكمن في أن قراءة المخططات ثنائية الأبعاد تتطلب خيالاً هندسياً وإدراكاً فراغياً مدرباً، وغياب هذا الخيال لدى غير المتخصصين يؤدي إلى الوقوع في سلسلة من الفخاخ المعمارية.

متاهة مسارات الحركة

على الورق، تبدو الأبواب مجرد أقواس صغيرة، والممرات مجرد خطوط متوازية. لكن في الواقع، مسار الحركة هو الشريان النابض للمنزل، يكتشف العميل متأخراً أن فتح باب الغرفة يتعارض مع باب الخزانة، أو أن الوصول إلى الحمام يتطلب اختراق منطقة الجلوس العائلية وقطع خصوصيتها، نلاحظ أيضا أن تصميم ممرات ضيقة وطويلة قد لا يبدو مشكلة ملحوظة على المخطط، لكنه في الواقع يخلق شعوراً بالانغلاق، ويجعل عملية نقل الأثاث أو مرور شخصين في نفس الوقت كابوساً حقيقياً.

مشكلة المساحات المهدرة

في محاولة لملء الفراغات على الورق أو صنع واجهات خارجية متكلفة، قد تنتج زوايا ميتة أو مساحات "بينية" غير مستغلة لا تخدم أي غرض وظيفي، تلك الزوايا التي لا تتسع لقطعة أثاث، ولا تصلح كممر، وتتحول مع الوقت إلى مجرد عبء في التنظيف أو مساحة لتراكم الفوضى، كما أن المداخل المبالغ فيها أيضا تسبب مشاكل تكمن في تخصيص مساحة ضخمة للمدخل أو الموزع الداخلي على حساب مساحات الغرف الحيوية (كغرفة المعيشة أو غرف النوم) التي تقضي فيها العائلة أغلب وقتها.

خديعة أبعاد الغرف والفراغات

عند عرض المخطط المعماري بدون أثاث، أو بقطع أثاث تم تصغيرها خداعياً . الصدمة تحدث عندما يتم وضع السرير والدولاب الفعلي، ليكتشف العميل أنه بالكاد يمتلك مساحة كافية للوقوف أو فتح الأدراج، كما أن النسب غير المريحة تشكل عائق حقيقي في المنزل مثل الغرف شديدة الاستطالة (مثل 3×7 أمتار) والتي تبدو مساحتها الإجمالية جيدة كأرقام، ولكنها في الواقع أشبه بممر طويل، مما يجعل توزيع الأثاث فيها شبه مستحيل ويخلق شعوراً بعدم الراحة البصرية والوظيفية.

البعد المنسي “صدمة الارتفاعات”

أكبر نقطة عمياء في المخططات الأفقية هي غياب "البعد الثالث" (الارتفاع). العميل يركز بشدة على الطول والعرض وينسى تماماً ارتفاع السقف، حيث يتجاهل الكثيرون حساب التمديدات الصحية المعلقة، ومجاري التكييف المركزي ، والأسقف المستعارة ، مما يؤدي إلى هبوط مستوى السقف النهائي بشكل كبير، ليتحول الفراغ إلى صندوق خانق بدلاً من مساحة رحبة، كما أن التناسب المعماري ضروري جدا؛ فالغرف الواسعة جداً بأسقف منخفضة تخلق خللاً في "النسبة والتناسب"، وتجعل الفراغ يبدو أثقل وأضيق مما هو عليه، حتى لو كانت مساحته الأرضية ضخمة.

ذاكرة السمكة “اسأل مجرب ولا تسأل طبيب”

اعلم انك زرت الكثير من المنازل وسمعت الكثير من التعليقات والملاحظات وموشحات الندم على الاخطاء والقرارات التي تم اتخاذها لكن للاسف الشديد عند تصميمك لمنزلك تكاد تكون نسيت كل تلك التعليقات والملاحظات وتجد نفسك امام المصمم وكأنك لم ترصد اي من تلك المشاكل والملاحظات سابقا، حتى تبدأ تتشكل صورة مثالية لمخططك نتيجة اعجابك المبدئي به او تسويقه من قبل المصمم (الله يسامحه) او استعجالك الغير مبرر قياسا بحجم الاستثمار المقبل عليه.

انصحك بالتأني والسؤال والبدء بملاحظة كل منزل او فراغ معماري تكون فيه وتبدأ ببناء قائمة بالملاحظات وقاعدة للبيانات التي تستطيع ان تحللها بناء على ظروفك واحتياجاتك.

بالمناسبة اتذكر احد الاصدقاء في مرحلة تصميمه للمنزل كان طالبا مجتهد جدا في بحثه عن المعلومة وفضولي جدا (مزعج غالبا) في رغبته في معرفة الاخطاء الشائعة وطرق حلها (كان يحمل معه متر صغير في جيبه بشكل دائم) وبالتأكيد نتائج هذه الجهود كانت منزلا مريحا يتناسب مع احتياجاته بأنسب جودة وتكاليف ممكنة.

ترابط الفراغات ”دلالات نجاح المخطط لا تكون مرسومة”

لايوجد خط مرسوم في المخطط المعماري يوضح لك مكان المطبخ المناسب ومكان صالة المعيشة المناسب وترابطها مع مساحة الطعام، يجب ان تدرك ان الفرق الحقيقي بين التصميم المتميز والرديء هو في القدرة على خلق فراغات وظيفية مترابطة تنعكس مباشرة على الشعور بالراحة في المكان والغرض منه (لاحظ ان كل ما قلته لايمكن رسمه وتوضيحه على الورق) لذلك يجب ان نتأكد ان الفراغات المعمارية مدروسة بشكل جيد ومترابطة مع بعضها البعض وذلك من خلال الامثلة المشابهة التي من الممكن ان يوضحها لنا المصمم او التجارب السابقة للعميل نفسه.

ذكرت سابقا ان منزلك يعد من اكبر استثماراتك المالية والعاطفية، حيث لامجال لكثرة الاخطاء التي سترافقك لزمن طويل في هذا المنزل، المخطط المعماري ليس مجرد رسم هندسي؛ هو سيناريو لحياتك اليومية المليئة بالاحداث والمستجدات والروتين وغيره من المتغيرات لك ولعائلتك، اتمنى ان تسعى ليكون مكان مريح يساعدكم لعيش حياة تستحقونها.

ليست مشكلة اذا كنت تجهل الكثير او بعض من هذه الافخاخ، لكن المشكلة اذا استسلمت ولم تحاول تفاديها بأي شكل من الاشكال، ابحث عن مصمم متميز، اطلب منه زيارة مشاريعه السابقة، ناقشه واشرح له ادق التفاصيل اليومية وافهم منه واطلب رأيه، تعمق كثيرا في فرش الاثاث وادخل في تفاصيل التفاصيل، يا عزيزي اسأله كثيرا حتى لايبقى في هذه الارض سؤال، هذا هو ثمن ماتدفع وليست تلك الرسومات (حتى المناظير ثلاثية الابعاد لوحدها لا تكفي).

دائما كنت اردد على عملائي هذه الجملة: ( انت من يصمم البيت لست انا.. لان البيت بيتك ونجاح التصميم مسؤوليتك.. دوري يكمن بمرافقتك في هذه الرحلة والوصول للتصميم المناسب لك وليس لأحد آخر ).