قبل قرابة الخمسة عشر عاما كنت استمع لهذا المصطلح كثيرا ولا اعيره اهتماما بل وأرفضه رفضا قاطعا، كيف يتم اختزال مهنتي ومستقبلي المهني بالكامل في مرحلة عمرية واحدة، ثم ماذا ينقصني لأكون قادرا على تصميم المشاريع؟، ألم أتخرج من الكلية بعد تعب وسهر لمدة خمس سنوات؟، ألم امتلك تلك الشهادة عن جدارة؟ ألا امتلك الموهبة والمهارة وقد كنت محل اشادة الكثير من الدكاترة في كليتي؟، ثم ماذا يمكنني عمله عن رفض المهنة لخدماتي فقط لصغر سني وقلة خبرتي؟ (وما الخبرة أصلا في حضور المهارة والموهبة!).

حتى جاء اليوم الموعود الذي من خلاله كنت أعلن وبصوت رفيع بطلان هذه المقولة وأرفع راية التحدي من أمامها فها أنا أجد نفسي في بداية مشواري المهني وقد استلمت مشروعي الأول لتصميمه (مشروع لأحد الأقارب)، ما تم في هذا المشروع هو أنني شمرت عن ساعدي وأظهرت جميع ما املك من مهارة ومعرفة في هذا المجال الذي أحبه (صدقا أحبه) إلا أني وللأسف الشديد لم اكن أحترمه حتى لو كنت اعتقد حينها غير ذلك، سلمت المشروع للقريب الداعم المحب، أبدا اعجابه وتكرّم وأسرف في جمل المديح والثناء حتى لم أجد في الأرض متسع لي، ولم يكن في (دماغي الصغير) إلا جملة واحدة تتردد: (هات اللي بعده)، وأثناء وبعد تنفيذ المشروع.. حدث ما لم يكن بالحسبان.

انتهى تنفيذ المشروع وقد استغرق ما يقارب الثلاث سنوات، كنت قد تعلمت الكثير وازدادت خبرتي ومعرفتي في هذا المجال، بدأت أنا وقبل الجميع بملاحظة الأخطاء في ذلك المشروع، بعض الفراغات صغيرة وأخرى كبيرة ولا تتناسب مع الاستخدام الحقيقي، سيناريو الحركة في مكان ما غير سليم، (من فعل هذا؟) وكيف تم قبوله والموافقة عليه؟، نعم عندها وللأسف الشديد فهمت تلك المقولة.. (متأخرا).

مهنة العجايز هو تعبير مجازي يدل على ضرورة اكتساب الخبرة والتجربة الكافية في هذا المجال للوصول إلى مرحلة القدرة على قيادة تصميم مشروع معماري متكامل، في حقيقة الأمر وبعد ما مررت به وما رأيته من أمثلة كثيرة أصبحت أدعم هذه المقولة تماما، بل وأتمنى ايجاد الحلول والتشريعات التي من خلالها يتم ضمان أن يكون التصميم أو المشروع في مساره الصحيح حفاظا على جودة المخرجات وحفاظا على كوادر المستقبل.

عند مرور المصمم بالكثير من المشاريع وتعرضه للكثير من المواقف والمعوقات تحت اشراف مصمم رئيسي أو فريق عمل معين سيكتسب مع الوقت والتجربة الخبرة الكافية التي تخوله للامساك بزمام الأمور، في هذا المجال لا مجال للخطأ لأن اثره باقٍ ولفترات طويلة وأحيانا لايمكن تفاديه وإصلاحه.

كذلك يفضل أن يكون المصمم ابن البيئة للمشروع المطلوب تصميمه أو على الاقل لديه البعد الكافي للالمام والشعور بها، فالخبرة لاتكتمل أركانها الا بمعرفة جميع الجوانب والابعاد الثقافية في المجتمع بشكل عام وللعميل بشكل خاص، لذلك من الممكن أن يفشل مصمم اجنبي ذو خبرة تتجاوز الثلاثين عام في تصميم مشروع تراثي في مدينة الأحساء مثلا وسيكون ذلك غير مستغرب أبدا.

أخيرا رسالتي للمصممين الجدد، أتمنى أن لا تقعون بنفس ما وقعت فيه، صدقوني هذا لاينقص من قدركم ومن مهارتكم ومدى موهبتكم، كل ما في الأمر أن هذه المشاريع أمانة في أيدينا ويجب أن نحرص أن تكون في بيئة مناسبة تضمن إخراجها بأجود صورة لبناء ثقافة معمارية يمكن الاعتماد والاستناد عليها لصناعة جيل معماري متميز، المطلوب منكم الممارسة والاحتكاك والتعلم المستمر لكي تكونوا قادة هذا المجال مستقبلا، تأكدوا دائما أن خبرة يوم واحد (تفرق) وأن هذه المهنة حساسة جدا وأهم عنصر في نجاح ممارسيها هو السمعة الطيبة وبناء الثقة.

أما من دعمني وتحمل أخطائي في مراحلي المتقدمة من الأقارب والأصدقاء.. صدقا شكرا من الأعماق، ضحيتم بالكثير من أجل صناعة مصمم ناجح، أتمنى أن أكون بقدر التطلعات، شكرا بحجم السماء.. ذلك فضل لاينسى وكل نجاح حققته أو سأحققه إن شاء الله تعالى سيكون مرهون بما قدمتم لي.. شكرا.