تعتبر رؤية ليوناردو دافنشي لـ "المدينة المثالية" (La Città Ideale) واحدة من أكثر الأفكار السابقة لعصرها، حيث لم تكن مجرد رسومات تخيلية فقط، بل كانت حلاً هندسياً لمشاكل حقيقية عانت منها المدن في القرن الخامس عشر، وتحديداً مدينة ميلانو بعد تفشي الطاعون.

كانت ابرز ملامح هذه الرؤية المعمارية والمدنية هي الفصل العمودي والتخطيط الصحي حيث كانت الفكرة الأكثر ثورية لدى ليوناردو هي تقسيم المدينة الى مستويين او أكثر، المستوى العلوي ويكون مخصص للمشاة والنبلاء والتنزه ويضم شوارع واسعة ومشمسة وقصورا وساحات عامة نظيفة، والمستوى السفلي تحت الارض او في الاسفل ويكون مخصص للخدمات وعربات النقل والخيول والتجارة كما يضم هذا المستوى قنوات مائية للتخلص من النفايات ولتسهيل حركة البضائع. (يمكن القول أن هذا المفهوم هو الجد الشرعي للطرق السريعة وممرات المشاة المنفصلة التي نراها في المدن الحديثة اليوم).

كما لاحظ هذا العبقري ان الشوارع الضيقة والمزدحمة في القرون الوسطى ساهمت في انتشار الأوبئة مثل الطاعون وعلى ذلك الأساس صمم المدينة بحيث تكون الشوارع عريضة جدا بحيث يجب ان يكون عرض الشارع يساوي ارتفاع المباني المجاورة له للسماح بمرور الضوء والهواء النقي والاعتماد على شبكة من القنوات المائية تحت المباني للنقل ولضمان تدفق المياه وتصريف الفضلات بشكل مستمر للحفاظ على نظافة المدينة.

من الناحية الجمالية والوظيفية تخيل ليوناردو مباني بواجهات متناسقة وارتفاعات موحدة تخلق شعورا بالراحة البصرية ووجود سلالم لولبية خارجية لتوفير المساحة الداخلية وهي من اللمسات المعمارية التي تميز بها دافنشي، كما صمم أنظمة هيدروليكية لرفع المياه الى الطوابق العليا في القصور لتوفير مياه جارية للاستخدام المنزلي والحدائق، الامر الذي يعتبر من المستحيل تصوره في عصره.

كانت تكلفة المشروع هائلة جدا وتتطلب الكثير من الجرأة والمخاطرة في ذلك الوقت لتنفيذ مثل هذه الأفكار وهو ما لم يستطع أي حاكم في ذلك الوقت تحمله، لكن تلك التصاميم والافكار اصبحت مرجعا رئيسيا للمعماريين والمهندسين حتى وقتنا الحالي واسفر عن ذلك تأثر العديد من المدن الحديثة وتطبيقها لتلك الأفكار.

ما يهمني حقيقة في حكاية ليوناردو العبقري هو التمكين لتعددية المواهب والايمان بها كحالة طبيعية ممكن حدوثها في ذلك الزمن، تم تصوير ليوناردو لنا كرسام موهوب واختزلت كل تلك المواهب في (ابتسامة الموناليزا) وذلك يعود لآليات وادوات التسويق الثقافي في عصرنا حيث وجد الاعلام في (الرسام الغامض) مادة تسويقية أسهل وأكثر جاذبية من المعماري او المهندس وللأسف الشديد تم قبول تلك الصورة النمطية لانتشار ثقافة التخصص في زمننا حيث من المستغرب ان تكون متقن لأكثر من موهبة وتخصص في وقت واحد!! حتى اصبحنا نحمل شعار ( صاحب البالين كذاب ).

اقرأ عن ليوناردو وستكتشف انه ابدع في الكتابة أيضا، اقرأ عن ميكيل أنجلو وستعرف انه ابدع في النحت والرسم والشعر! اقرأ عن بنجامين فرانكلين وستعرف انه ابدع في النشر والادب والفيزياء والسياسة والدبلوماسية، اقرأ عن يوهان غوته وستعرف انه ابدع في الادب والشعر والعلوم الطبيعية والسياسة، واخيرا وليس اخرا اقرأ عن ابن سينا وستعرف انه ابدع في الطب والفلسفة والفلك والفيزياء.

ولفهم مدى امكانية تعدد المواهب ابحث دائما عن الصفات المشتركة التي تنطلق منها هذه المواهب، والجسور والروابط والمحفزات بينهم، وترابط الأهداف والمخرجات التي يتم تحقيقها من خلال تلك المواهب.

على سبيل المثال: العلاقة بين الكتابة والشعر والتصميم المعماري هي علاقة قوية ومعقدة تعكس تداخل الفنون المختلفة وكيفية تعبيرها عن الأفكار والمشاعر الإنسانية حيث تعتبر جميعها شكلا من اشكال التعبير الفني( نقل رسالة معينة او احداث تأثير عاطفي)، كما تعتمد على البنية والتنظيم، والرمزية والمعاني المتعددة والالهام المتبادل( يمكن أن يستلهم المعماريون من الشعراء، حيث يمكن أن تعكس المباني المشاعر والأحاسيس التي تتجلى في أشعار معينة. على سبيل المثال، قد يلهم وصف الشاعر لمكان معين معمارياً لتصميم فضاء يجسد تلك الأحاسيس. بالمقابل، قد يتأثر الشعراء بالمساحات المعمارية التي يعيشون فيها، حيث تصف قصائدهم جماليات المباني والأماكن، مما يخلق تفاعلًا بين الفضاءات المعمارية والكلمات)، كما تتفاعل جميعها تفاعلا اجتماعيا وثقافيا تعكس فيه القضايا الاجتماعية والسياسية من خلال الالفاظ والتعبيرات وتاريخ المجتمع وقيمه.

والعامل المشترك الأقوى هو الخيال والبحث عن الجمال سواء كان ذلك من خلال الكلمات التي تنسج بعناية أو من خلال التصاميم المعمارية التي تأسر الأنفاس أو من خلال القصائد التي تنقل الإحساس بعمق، جميع هذه الفنون تعكس رغبتنا في خلق عالم جميل ذو معنى وتتكامل لتعبر عن التجربة الإنسانية بطرق متنوعة مما يعزز من فهمنا للعالم من حولنا ويثري حياتنا بمختلف الأشكال.

بعد عبورنا في نفق المحددات العملية وثورة عقدة التخصص التي تفشت لأسباب كثيرة ومبررات كان على رأسها الحرص على الاتقان وضمان جودة المخرجات نجد انفسنا اليوم على مشارف عهد جديد يؤمن بفكرة تعدد المواهب مجددا.. تلك الفكرة التي تعتبر وليدة الطبيعة والمنطق حيث يمكن الاستفادة القصوى من مجموعة المواهب لاسيما تلك المواهب المترابطة والتي تجتمع في اهداف ومخرجات مشتركة.