تحدثنا سابقًا عن الفروقات ونقاط الاختلاف بين المكاتب الهندسية والمصمم المعماري المستقل، وكان الحديث من زاوية العميل: ما هو الأفضل له والأنسب، وخلصنا بأفضلية التعامل مع معماري مستقل يعطي مشروعك الوقت والجهد الكافي للوصول لمخرجات أفضل وتصميم يتناسب مع متطلبات واحتياجات العميل الحقيقية.

قرار التعاقد بمنظور قاصر

سأتحدث اليوم عن المعايير والاعتبارات التي تسهّل عملية اتخاذ القرار، سواء من قبل العميل أو من قبل المعماري المستقل للاتفاق في بدء رحلة التصميم، وسأوضح بعض المفارقات والحيثيات في طبيعة التعاقد والمعايير والأهداف.

هناك مفهوم خاطئ لدى الكثير من العملاء والمصممين، وهو أن يكون السعر أو التكلفة المعيار الرئيسي، بل المعيار الوحيد أحيانًا الذي يتم اتخاذ قرار التعاقد بناءً عليه. ويتشكل هذا المفهوم نتيجة تراكم التجارب السابقة والثقافة الحالية في هذا المجال، ونقطة الجذب في التوفير بالنسبة للعميل، وفي كسب مشروع بالسعر للمصمم. ويتفق الاثنان على أن هذا المفهوم قاصر ومحدود “على المدى القصير فقط”، بل ربما تكون عواقبه مستقبلًا عكسية «تطلع عليك أكثر من بيع السوق».

المعيار الحقيقي للعميل والمصمم

كما تحدثنا كثيرًا عن أهمية اتخاذ القرار المناسب من قبل العميل باختيار مصمم متميز بإمكانه الوصول إلى نتائج تلبي احتياجات العميل الفعلية بجودة عالية، وأن تتم دراسة التعاقد من جميع الجوانب والنواحي المالية والفنية، ومدى المرونة التي يمكن أن تساهم في تحقيق مشروع مدروس يوفّر عليك الكثير من التكاليف مع مرور الزمن.

كذلك الأمر بالنسبة للمصمم؛ يجب أن يمتلك المصمم مهارة اختيار العميل المناسب، وألّا يكون المعيار المؤثر لقبول المشروع هو المردود المادي فقط، لنتذكر هنا أن نموذج العمل الخاص بالمصمم المستقل يعتمد بشكل كبير على جودة المخرجات وقصة رحلة العميل معه، فالمشروع يؤثر بشكل مباشر على المشروع الذي بعده، لذلك يجب أن يحرص المصمم على أن يكون هناك تناغم مع العميل لنجاح هذه الرحلة، للوصول لنتائج ذات جودة عالية وقصة نجاح جديدة في رصيده.

يحتاج هذا الأمر حساسية عالية من المصمم؛ فرفض مشروع بمقابل مادي جيد قرارٌ صعب لا يستوعبه الكثير من المصممين، لكنه خيار وارد وصحيح في بعض الأحيان إذا تم الأخذ بالاعتبار الجوانب الأخرى التي قد تؤثر على جودة المخرجات وسمعة المصمم على المدى البعيد.

هناك نقطة أخرى: قد يكون العميل مناسبًا لمصمم ما وغير مناسب لمصمم آخر، والعكس صحيح؛ قد يكون المصمم مناسبًا لعميل ما وغير مناسب لعميل آخر. عملية اتخاذ القرار يجب أن تتم بعناية من قبل الطرفين.

التناغم أهم من التصميم

أعلم أني أعيد كثيرًا الحديث عن هذا المبدأ؛ مشكلتي ليست في تصميم وحدة سكنية مساحتها ٥٠٠ متر مربع، مشكلتي والتحدي الحقيقي هو أن أتواصل مع العميل «بشكل صحيح» ومناسب، لأتمكن من معرفة احتياجاته الحقيقية وأعكسها على أرض الواقع بطريقة فنية سليمة.

سنتجنب الكثير من المشاريع الفاشلة والنتائج السيئة إذا عملنا بهذا المنظور ونشرنا هذه الثقافة.

نعم، لقد رفضت مشروعاً مؤخرا.. لمصلحة العميل ومصلحتي مستقبلاً ولمصلحة هذه المهنة العظيمة، وهذا البلد العظيم.