أول درس معماري من أمي حفظها الله..

الكثير من المقبلين على تصميم بيت العمر أو شرائه يحرصون على وجود جلسات خارجية سواء كانت في الفناء الأمامي أو الخلفي أو جلسة السطح أو الشرفة”البلكونة” في بعض الغرف والفراغات، تلك الرغبة تأتي من منطلق مفهوم جداً وهو الاستفادة من هذه الجلسات والمساحات في الأجواء المناسبة مما يساعد على خلق بيئة مناسبة ومريحة لساكني المنزل.

بعد التأمل في هذا الأمر ومعايشة الكثير من التجارب سواء على الصعيد الشخصي أو من خلال تصاميم بعض العملاء والتغذية الراجعة بعد تجاربهم تبيّن بأن النتائج لم تكن مرضية إلى حد كبير (أتحدث هنا عن محافظة الأحساء تحديدا).

تتميز الأحساء بمكوّن زراعي تاريخي عظيم له تأثيره المباشر على نمط الحياة لساكنيها وذلك من خلال ارتباطهم تاريخياً وثقافياً مع هذا المكوّن، فالذهاب إلى “المزرعة” أو البستان والاستمتاع بالأجواء هناك يعتبر روتين شبه يومي،فمن جانب نفسي؛ يخلق ذلك نوع من الإدراك الغير محسوس غالبا حيث يتم ملاحظة الفرق بين “حوش البيت” و “المزرعة”، تأتي المقارنة هنا بشكل لا واعي وذلك نتيجة التطلّع لنفس الهدف وهو الاستمتاع بالأجواء في مكان مريح، والنتيجة بطبيعة الحال مقارنة غير عادلة، قطعا ستتفوق المزرعة في هذه الحالة، حيث لا يوجد أي وجه مقارنة من ناحية شراحة المكان وبرودة وصفاء الأجواء وكمية الخضرة والزراعة.

من جانب آخر يختلف المناخ في المدينة حيث درجات الحرارة العالية والغبار والأتربة، مما يتطلب الكثير من العناية للجلسات الخارجية للبيوت وهذه اشكالية لايعرفها إلّا من جرب ذلك، فعملية التنظيف المستمر والعناية المستمرة مجهدة جدا من الناحية التشغيلية.

مروراً بذلك كلّه تواجه المساكن الجديدة تحدي في المساحات المتوفرة حيث أصبح من الصعب توفير مساحات كبيرة “للحوش” والجلسات الخارجية وهذا يعزّز من الفكرة المطروحة بالنسبة لشخص يسكن في الأحساء ولديه خيار “المزرعة”.

أنا لا أرمي بحديثي هذا إلى إهمال الفناء والمتنفس الخارجي للبيت لكن ما أودّ التنويه عليه هو وظيفة هذا الفراغ من الأساس والتي تؤدي إلى تصميمه بشكل مناسب، أعتقد أن الوظيفة الأساسية للفناء الخارجي في البيت هي خدمة الفراغات الداخلية أولاً، هذا يعني أن يكون عنصر قوي ومساند لخلق أريحية في الفراغ الداخلي وليس لاستخدامها بالشكل الحرفي والجلوس فيها، هذا توضيح مهم ويغفل عنه الكثير من العملاء والمصممين، يجب تصميم هذا الفناء ليكون متنفس طبيعي للفراغ الداخلي بالمقام الأول ثم بعد ذلك يمكن الاستفادة منه في أوقات معينة بالجلوس والاستمتاع بالأجواء الخارجية.

هذي الطريقة في التفكير تغير مفهوم تصميم هذه الفراغات الخارجية بالكامل، البعض لديه “حوش” غير مرتبط بشكل أساسي مع صالة المعيشة في البيت باعتقاده أن الغرض منه هو “الجلوس بالخارج والاستمتاع بالأجواء” وهذا دور المزرعة وليس دور الفناء، الفناء متنفس للبيت بمعنى أن يكون عنصر متداخل أساساً مع الفراغ الداخلي يساهم ويساعد في استخدامه بسكل مريح ومناسب.

حاول عند تصميم بيتك أن تكون عناصره مترابطة ولها معنى وفائدة حقيقية على أرض الواقع مع مرونة عالية للوظائف والاستخدامات وليست صورة جمالية على الورق فقط، رحلة التصميم شاقة أحياناً وجميع تفاصيلها مهمّة وتحتاج مختصين يرافقونك في هذه الرحلة لإتمامها بالشكل الصحيح.

حفظ الله امي وأثابها حين أعطتني أول درس معماري في حياتي، كانت توصيني بالغاء “البلكونة” لأنها وبكل بساطة ستُغلق مع مرور الوقت.